09 - 09 - 2026

الإعلام والتضليل | وسائل التواصل الاجتماعي وحرية التعبير والبحث عن الحقائق في بيئة معقدة

الإعلام والتضليل | وسائل التواصل الاجتماعي وحرية التعبير والبحث عن الحقائق في بيئة معقدة

مع دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى عقد المؤتمر الوطني الأول للإعلام في مصر في أوائل ديسمبر القادم، ليكون منصة لمراجعة أوضاع الإعلام ومناقشة تحدياته وفرصه، من أجل تطوير الإعلام في مصر، توالت المقالات التي تتناول بالتحليل والنقد وضع الإعلام في مصر. اللافت أن تصريحات المسؤولين وكثيرا من المقالات لم تتطرق لنقطتين أساسيتين: الأولى، هي التغيرات السريعة والمتلاحقة في المشهد الإعلامي على المستويين العالمي والوطني، مع التطورات التكنولوجية المتلاحقة التي أدت إلى تطورات كبيرة استفادت كثيرا من ثورة التكنولوجيا والمعلومات ودفعت بوسائل التواصل الاجتماعي التي تنوعت وسائطها وأدواتها لتكون شريكة لوسائل الإعلام التقليدية والحديثة في التأثير على الجمهور وصناعة الرأي العام. النقطة الثانية، المسكوت عنها في كثير من الخطاب الرسمي، هي تلك المتعلقة بحرية الرأي والتعبير باعتبارها الركيزة الأساسية للإعلام والمهمة الأولى التي أنشئ المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، الذي أنشئ في أبريل عام 2017، للاضطلاع بها، باعتباره هيئة مستقلة تتمتع الاستقلال الفني والمالي والإداري، أنشئت لتولى صلاحيات ومسئوليات وزارة الإعلام، التي ألغيت بعد ثورتين تماشيا مع سياسات الدول الديمقراطية. 

هناك نقطة ثالثة لا تقل أهمية تتعلق بدور الإعلام ومسؤولياته، في معرفة الوقائع والحقائق، التي باتت حقًا أصيلًا من حقوق الإنسان، وهو ما تؤكده المادة 19 من الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، والدساتير والقوانين الأساسية للدول المعاصرة. وبينما تواجه حرية الرأي والتعبير في مصر الكثير من القيود القانونية والسياسية، فإن حق المواطنين في الإعلام مقيد بقانون حرية تداول المعلومات، الأمر الذي يفسح المجال للتضليل والتلاعب بالرأي العام، وامتدت هذه القيود إلى وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبح التعامل من خلالها أحد الأسباب الأساسية لاعتقال المواطنين بتهمة نشر أخبار كاذبة أو غالبا بسبب آرائهم المعارضة والمنتقدة للسياسات العامة. وبينما برز، في مقابل الإعلام، فن آخر يعتمد على أدوات الإعلام ويجيد توظيفها بغرض التأثير على الرأي العام وتوجيهه لخدمة أغراض سياسية محددة، يعرف هذا الفن بفن التضليل. يتفق فن التضليل مع الدعاية في الغاية الأساسية المتمثلة في تزييف وعي الجمهور، لكنه يتفوق على الدعاية في الاعتماد على عمليات معقدة لبناء أنساق تقدم معلومات وبيانات زائفة تستهدف إبعاد الجمهور العام عن معرفة الحقائق. وفن التضليل هذا قديم، وارتبط ظهوره بظهور الإعلام والدعاية الحديثين، بوصفهما أداتين أساسيين للتواصل الجماهيري. وتزايدت أهميته بعد تزايد الدور الذي يلعبه الرأي العام ومن الاهتمام بدراسته وتحليل توجهاته، والتي أصبحت مكونًا أساسيًا من مكونات دراسة الإعلام. 

تناول مقالان نشرا على موقع المشهد، ركز المقال الأول على هندسة التشتيت الإعلامي، وتناول الثاني توظيف السلطة للدعاية والإعلام، المشهد الإعلامي المعقد في عصر تدفق المعلومات وقواعد البيانات الضخمة، وهو المشهد الذي ازداد تعقيدًا مع توسع الدور الذي تلعبه وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة والمحتوى الرقمي، في التأثير على الرأي العام، على نحو تختلط فيه الحقائق مع البيانات المضللة. وقد انتبهت أجهزة المخابرات والمؤسسات المعنية بالتأثير على الرأي العام لهذه الوسائط الجديدة واخترقتها ووظفتها لتمرير ما بات يعرف بالأخبار والتقارير الإعلامية المزيفة والتي اعتمدت أساليب باتت على قدر كبير من التعقيد، نتيجة تطور أدوات التزييف العميق، على النحو الذي ظهر في الانتخابات الأمريكية عام 2016، والتي من المتوقع أن تشهد تطورات غير مسبوقة مع تطور تقنيات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. لقد أدت هذه التطورات جميعا إلى إعادة تعريف الإعلام وإعادة تعريف دور الصحفيين والإعلاميين مع التوسع في انتاج المحتوى الرقمي. 

صحيح أن تزييف التقارير الإعلامية سابق على ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، وجرى تمريرها عبر منصات إعلامية كبرى مثل "سي إن إن" في حرب الخليج الأولى عام 1991، لكنه يكتسب أبعادا جديدة وأكثر خطورة، وبات ينطوي على كثير من الممارسات التي لا تعد انتهاكًا لحق أصيل من حقوق الإنسان وحسب، وإنما أصبح لها أثار بعيدة المدى على حرية الرأي والتعبير وعلى معرفة الحقائق والوقوف على حقيقة أي حدث من الحوادث، ويزداد هذا الأمر تعقيداً مع القيود المفروضة على حرية المواطنين ووسائل الإعلام في الوصول إلى المعلومات بمبررات تتعلق بحماية الأمن القومي وسرية البيانات والمعلومات أو حماية الخصوصية وحرمة الحياة الخاصة للمواطنين، بما في ذلك المسؤولين. 

ومع تزايد القيود المفروضة على حرية الرأي والتعبير، من خلال منصات الإعلام الرسمية، لجأ صُنّاع المحتوى الرقمي، والمواطنون، إلى وسائل التواصل الاجتماعي لإنتاج محتوى خاص بهم، يفتقر غالبا إلى القواعد المهنية ولا يتقيد بالأخلاقيات ومواثيق الشرف الحاكمة لوسائل الإعلام، دون أن تكون هناك مدونات للسلوك وقواعد منظمة لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي. تجدر الإشارة، في هذا الصدد، إلى أن كثيرًا من القضايا المتعلقة بالنشر من خلال وسائل التواصل الاجتماعي يتعلق باستخدامها لنشر وترويج أخبار كاذبة، أو للإساءة لأشخاص وانتهاك خصوصياته، لكن يلاحظ في كثير من هذه القضايا أن بعضها قد يكون ناجما عن خطأ غير مقصود ناجم عن استخدام تقرير إعلامي مزيف، وبعضها متصل بمدى معرفة مستخدمها بحدود حرية الرأي والتعبير.

التعقيد والفوضى

في الفيلم الأمريكي "عدو الدولة"، إنتاج نوفمبر 1998، هناك مشهد للممثل البريطاني جين هاكمان، الذي يقوم في الفيلم بدور ضابط مخابرات سابق تحول إلى ناشط يحارب الفساد داخل الجهاز الذي يُنظر إليه على أنه دولة داخل الدولة، وفوق الفانون والمحاسبة، وهو يشرح لمجموعة من تلامذته، كيف يتم تزوير الصور والتلاعب بها. هذه التقنيات التي كانت تطبق على نطاق أضيق قبل عام 1998، تُطبق الآن على نطاق أوسع بكثير من خلال الهواتف المحمولة التي تتيح الدخول على العديد من المنصات الرسمية وغير الرسمية، دون أن نكون مؤهلين بشكل كاف للتمييز بين ما هو زائف وما هو حقيقي على هذه المنصات وما تبثه من محتوى مقروء أو مرئي أو مسموع لمليارات البشر وفي نفس اللحظة تقريباً، الأمر الذي أتاح لعدد لا حصر له من المؤثرين القادرين على إنتاج أو صنع المحتوى التأثير على ملايين البشر وتعبئتهم وتوجيههم، على نحو نقل الفوضى والتعقيد في الحياة الفعلية إلى الشاشات الصغيرة عبر الأجهزة الذكية، وأضافت التقنيات الجديدة التي يتيحها الذكاء الاصطناعي المزيد من التعقيد إلى المشهد المعقد أصلاً.

في عام 1973، نشر عالم الاجتماعي الأمريكي هربرت شيللر (1919-2000) كتاب "المتلاعبون بالعقول" وهو دراسة نقدية لوسائل الإعلام الأمريكية في فترة صعود وسائل الإعلام الجماهيري، توضح كيف يسيطر من أسماهم شيللر "مديري العقول" في وسائل الإعلام والدعاية الكبرى وفي عالم السياسة على الرأي العام، من خلال السيطرة والتأثير على عمليات جمع المعلومات ونشرها والتحليل النقدي المفصل لآليات التوجيه الكامنة في أدوات إعلامية مثل استطلاعات الرأي والإعلان التلفزيوني والسينما والدراما، لتقديم وعي معلب أو زائف للجمهور وتصنيع الرأي وتصنيع الرأي العام وتوجيه العقول بما يخدم مصالح النخبة الحاكمة ومصالح القوى الاجتماعية المهيمنة. 

لم يعد التلاعب بالعقول قاصرا على المؤسسات والأجهزة الوطنية بل تنخرط فيه أجهزة ومؤسسات وشركات عابرة للحدود، وتوسع الأمر ليشمل أفرادا قادرين على توظيف أدوات وسائل التواصل الاجتماعي لإنتاج محتوى مؤثر، بل باتت الآلة من خلال الخوارزميات وتقنيات الذكاء الاصطناعي لاعبًا رئيسيًا في هذا الميدان، على النحو الذي يتبين من خلال اختراق الحسابات واستغلال الحسابات الإلكترونية لأشخاص آخرين لارتكاب جرائم إلكترونية وسيبرانية. لقد أصبح موضوع الأخبار والتقارير الإعلامية الزائفة أكثر تعقيدًا في العصر الرقمي. 

في الفصل الثاني من كتاب "الأخبار الزائفة، الدعاية، والأكاذيب الصريحة: كيفية العثور على معلومات موثوقة في العصر الرقمي"، الصادر في عام 2018، يشير المؤلف دونالد باركلي، وهو أستاذ للمكتبات، إلى أن موضوع الأخبار الزائفة أو الكاذبة، سواء من خلال وسائل التواصل الاجتماعي أو منصات الأخبار، ليس موضوعًا جديدًا على الأقل بالنسبة له كأكاديمي متخصص في المكتبات، وعمل فترة من حياته في تعليم الطلاب والباحثين كيفية التفكير بطريقة نقدية، وكيفية التعامل مع بيئات معلوماتية متزايدة التعقيد، فالمتخصص الذي يتعامل مع المعلومات يمتلك ما يلزم من مهارات للتعامل مع المشهد المعلوماتي المعقد اليوم، وهو مشهد يشمل مساحات واسعة من الأخبار الكاذبة أو الزائفة. لكنه ينبه إلى أن الوضع مختلف بالنسبة للجمهور العام، الذي لا يمتلك مثل هذه المهارات، والذي يكون ضحية غالبًا لحملات الدعاية الممنهجة والأخبار الزائفة، وهو أمر تثبته الدراسات الحديثة. في ظل هذا الوضع لم يعد البحث عن الحقيقة هو الغاية، فالتلاعب بهذه الحقيقة وتوظيفها لتحقيق مصالح محددة وأهداف محددة، هو الأساس الذي تقوم عليه الدعاية، بصورها المختلفة.

هناك مئات الكتب والدراسات التي تتناول ما يتعرض له الرأي العام والجمهور الأمريكي من تضليل ممنهج لتزييف وعيه من أجل قبول قرارات تتعارض مع مصالحه المباشرة، وحملات التضليل هذه جزء من هجوم ممنهج على الديمقراطية والنظام السياسي الأمريكي من قبل المحافظين والتيارات الشعبوية من اليمين واليسار. لقد ارتبط صعود الإعلام الأمريكي منذ تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية ومنذ إعلان الاستقلال بالديمقراطية الأمريكية وبالقيم الأمريكية التي ارتبطت بالنموذج الأمريكي القائم على فكرة الانفتاح للمهاجرين والتنوع الثقافي والتعددية والقيم المدنية والعلمانية للدولة، بحيث أصبحت أمريكا رمزًا للثروة والحرية، واستطاع هذا النموذج أن يصمد في مواجهة كثير من الأزمات وأن يترسخ من خلال ثورة الحقوق المدنية في ستينات القرن الماضي، في مواجهة العنصرية ومعارضة حرب فيتنام. وشكَّل انتصار المجتمع المدني الأمريكي المتحالف مع الإعلام الحر وما ينتجه من وسائط بديلة، تحديًا أساسيًا للتيارات المحافظة، ومن ثم كان من الطبيعي أن يظهر دونالد ترامب هذا القدر من العداء للإعلام الأمريكي ولوسائل التواصل الاجتماعي. 

إن ما يتعرض له الإعلام الأمريكي نتيجة لصعود التيارات الشعبوية والمحافظين سينعكس على مناطق كثيرة في العالم، نظرا للدور الكبير الذي يلعبه الإعلام الأمريكي في التأثير على الرأي العام العالمي، نظرًا لتحكمها في كثير من الوسائط الإعلامية التي تعد مصدر لكثير من المعلومات والبيانات في العالم، لاسيما في منطقتنا، إذ يلاحظ أن كثيرا من التقارير الإعلامية بشأن الأحداث الجارية، سواء على المستوى الدولي والإقليمي، بل في كثير من السياسات الوطنية يعتمد على ما تنشره وكالات الأنباء والمنصات الإعلامية الأمريكية الكبرى. أشارت دراسة بعنوان "الدعاية الشبكية: التلاعب والتضليل والتطرف في السياسة الأمريكية"، صدرت في عام 2018، إلى ما أسماه المؤلفون الأزمة المعرفية الناجمة عن سيطرة الدعاية على كثير من المنصات الإعلامية الأمريكية الرئيسية، وأوضحت كيف عمقت وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصا الفيسبوك تلك الأزمة. وأشار المؤلفون إلى أن الفيسبوك كان في قلب الأزمة المعرفية التي أعقبت انتخابات عام 2016، إذ أظهرت دراسات أجريت بعد الانتخابات إلى أن مُختلقي الأخبار الكاذبة الذين حصدوا تفاعلاً أكبر على فيسبوك المحكوم بمنطق تجاري، مقارنةً بوسائل الإعلام التقليدية، وهو الأمر الذي أكدته فضيحة شركة تحليل البيانات البريطانية، كمبردج أناليتيكا، التي تفجرت في عام 2018، والتي أظهرت كيف تم استخدام عشرات الملايين من ملفات تعريف فيسبوك الذي يجمع بيانات دقيقة للغاية عن مستخدميه، واستخدام هذه البيانات لتطوير أساليب للتأثير على الناخبين. 

على الرغم من أن فيسبوك عدل كثير من سياساته ودخل في شراكات مع منصات إعلامية كبيرة، للتحقق من صحة التقارير الإعلامية وكشف التقارير المزيفة وحذفها، إلا أن الطريق لا يزال طويلا كي يصبح واحدة من المصادر الموثوقة للتقارير والمعلومات، لكن من الممكن لكثير من المبادرات التي تركز على الإعلام وتنأى بنفسها عن الدعاية والتضليل الاعتماد عليه في الارتقاء بوعي جمهور المستخدمين، والتصدي لعمليات التضليل الإعلامي الممنهج التي تحرم الجمهور من حقه في معرفة الحقيقة. ويمكن للمبادرات المجتمعية المدافعة عن الديمقراطية وعن حقوق المواطنين أن تعتمد على وسائل التواصل الاجتماعي التي توفر منابر أكثر تعددية وانفتاحا من أجل الحد من إساءة استخدامها وتوفير إعلام بديل يطلع الجمهور على الحقائق التي يتعمد الإعلام الرئيسي اخفاءها، ولا يزال من الممكن تطوير نموذج "إعلام المواطن" الذي ظهر مع بداية ظهور وسائل التواصل الاجتماعي لتعزيز التعددية وكسر الاحتكار الإعلامي.

الصحافة الاستقصائية وتعدد السرديات

إن الإعلام والديمقراطية يزدهران معًا في ظل بيئة تعددية ويستفيدان من زيادة وعي الجمهور العام. والسؤال الآن ونحن نحضر للمؤتمر الإعلامي الأول، هل سيكون تطوير الإعلام من أجل تعزيز الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير، أم سيقتصر التطوير على تطوير أدوات الدعاية السياسية للنظام أو للدعاية المضادة له. كثيرًا ما يوصف الإعلام والصحافة بالسلطة الرابعة نظرًا لدورة الرئيسي في مراقبة أداء السلطات الأخرى وكشف أي انحراف أو تعسف في ممارسة السلطة، كذلك يلعب الإعلام دورا رئيسيا في عملية التواصل السياسي والجماهيري، بين الحكومة والرأي العام. الملاحظة في الحالة المصرية أن تقييد حرية الإعلام وتحجيم دوره لا يؤثر فقط على وظيفته كمراقب للسلطة، وإنما يضعف أيضا من دوره ومصداقيته في نشر إنجازات الحكومة والتعبير عن سياساتها.  فالإعلام الحر والمستقل هو الأقدر على تغطية الإنجازات والإخفاقات معًا، أما الإعلام المقيد والمكبل لصالح ماكينة الدعاية لا يمكنه القيام بأي من المهمتين. 

لقد أدت التطورات التي شهدتها البيئة السياسية والإعلامية إلى تطوير عمل وسائل الإعلام، وأتاحت الثورة المعلوماتية والقدرة على معرفة ما يدور في مكان في العالم وبسرعة قياسية فرضت قيودا على احتكار السلطة للسردية، ويبشر الانتقال إلى الصحافة الاستقصائية التي تعتمد على التحليل وتمضي للبحث عما وراء الأخبار والتي تزود القارئ والمستخدم لوسائل الإعلام بالمعلومات والمعرفية اللازمين لاتخاذ قرارات سليمة فيما يخصه من شؤون، وما أحدثته من تمكين للجمهور العام الذي تنوعت أمامه الوسائط الإعلامية المختلفة، المقروءة والمسموعة والمرئية والتفاعلية، وجعلته شريكًا في صناعة المحتوى الإعلامي وتطويره. إن الثورة التكنولوجية التي تمضي بسرعة مذهلة تتجاوز قدرة المؤسسات على التكيف، تتيح إمكانيات هائلة للإعلام في المستقبل، وتمنح الجمهور المستهلك للمحتوى الإعلامي آفاقًا أرحب وتحرره من هيمنة السرديات السائدة في وسائل الإعلام الرسمية، وأثبتت حرب غزة هذه الحقيقة كما تثبتها الآن الحرب على إيران.

إن الإصرار على نشر السرديات الأخرى وتعدد السرديات وتزويد القارئ بمادة إعلامية تطور من قدراته على المقارنة والتحليل يجب أن يكون الهدف الأساسي الذي يحرص عليه القائمون على تطوير الإعلام، ونقطة البداية هي مراجعة صادقة وأمينة للأسباب التي أدت إلى وصول الإعلام المصري لما هو عليه، فقد أصبح منصة للمدونات الصوتية من خلال مقدمي برامج ومذيعين يظهرون على الشاشات للحديث للجمهور من خلال الاستديو للدعاية للسياسات العامة أو لمهاجمتها، هو إعلام متهافت أصبح جزءا من الأزمة والمشكلة ولا يمتلك المقومات اللازمة كي يصبح جزءا من الحل. وهناك سؤال رئيسي يسبق هذا السؤال يتعلق بمدى إدراك السلطة في مصر لمعنى الإعلام وأهميته ورسالته، لاسيما أن مجمل السياسات والتوجهات العامة تشير إلى أن السلطة باتت مثل الجمهور العام لا تثق في الإعلام الوطني ولا تهتم بالرأي العام المحلي، ولا تدرك خطورة الفراغ الإعلامي الذي يعاني منه الوطن.    

وقد يحسن المؤتمر الإعلامي الأول صنعًا إذا تضمن جدول أعماله محورا خاصا بدور وسائل التواصل الاجتماعي في التأثير على الرأي العام وما هي التصورات والتوصيات التي يمكن أن يخلص إليها الخبراء من أجل تطويرها وتنظيمها بشكل أفضل لا يتناقض مع طبيعتها ولا يتجاهل في الوقت نفسه المشكلات المترتبة على تلك الطبيعة، ولا يمكن التعامل مع هذه المشكلة بمنطق المنع والتقييد في عالم أصبح أكثر ترابطا وانفتاحًا.
--------------------------------
بقلم: أشرف راضي

مقالات اخرى للكاتب

الإعلام والتضليل | وسائل التواصل الاجتماعي وحرية التعبير والبحث عن الحقائق في بيئة معقدة